Thursday, March 7, 2013

....عمل الخير....

5 comments
...أن تصلي
"الفجر"
ثم تذهب إلي المخبز
كعادتك بعد شروق الشمس
ثم تشاهد طفل صغير وأخته
بملابس المدرسة
"الرثة"
يطلبون بخجل من البائع أن يعطيهم
"فطيرتان" بـ "جنيه"
وهو كل مايملكون وهو مصمم
"بغلظة"
علي الحصول علي
"جنيهين"
ثم ييسر
"الله"
لك حل مشكلتهم
"الصغيرة"
فتدفع للبائع وتطلب منه
إعطائهم مايريدون
يحصلون علي بضاعتهم
"الغالية"
يشكرك الطفل بدون أن ينظر
لك ويمسك بيد
"أخته"
وينصرفان بعيون
"ممتنة وخجولة"
!
تعود إلي بيتك لتوقظ أطفالك
وتسمع زوجتك تمارس
مهمتها اليومية في
"المحايلة"
علي الأطفال ليقبلوا
"مشكورين"
شرب اللبن أو أكل
"السندويتشات"
الكثيرة التي تم إعدادها!
فتدرك ساعتها أن الحياة رحلة
"قصيرة"
ولها نهاية ولاشك!
وأن الكل
"مُبتلي"
وأن
"نعم"
الله أكثر من أن تحصي
وأن الراحمون يرحمهم الله
وأن صنع
"الخير"
يقيك من زوال
"النعم"
فاللهم عاملنا برحمتك
وأدم علينا نعمتك
وارزقنا فعل الخير
ونشر الفرحة
 فظننا فيك
"حسن"
وأملنا فيك
"دائم"
رغم تقصيرنا
نعم يارب
رغم تقصيرنا.


وسام الشاذلي

Wednesday, March 6, 2013

...عندما كنت طفلا...

0 comments
 
علموني أن لا أكذب مهما حصل
فالذي يكذب يدخل النار ويغضب الله عليه
-عندما كبرت إكتشفت أن أغلب الناس يكذبون
ويلونون كذباتهم حسب ما يرونه مناسب
عندما كنت طفلا
قالوا لي أن الحياة رائعة
بكل ما فيها وقالوا لي
أن الانسان يجب أن يكون
طيب مخلص  وفي  صادق 
عندما كبرت
إكتشفت أن الحياة ليست رائعة
إلى ذاك الحد الذي تم وصفه لي
وأن الإنسان عندما يكون طيب يستغلونه
  وعندما يكون مخلص تتم إهانته
وعندما يكون صادق يكرهونه
لأن كلمة الحق تثير غضب الآخرين
  عندما كنت طفلا
علموني أن لا أرفع صوتي
على من هم أكبر سننا مني
لأنني يجب أن أحترمهم
وأحترم وجهات نظرهم وخبرتهم في الحياة
عندما كبرت
إكتشفت أن الكبير أصبح صغير
وأننا لا نتعلم ولا نستفيد
عندما كنت طفلا
علموني أن أعتذر عندما أخطيء
فالإعتذار ليس بخطئ
وهو يجعلني أكبر في نظر الناس
وهذه صفة رائعة
عندما كبرت
إكتشفت أن إعتذاري
في نظر الآخرين هو ضعف في شخصيتي
وأن الأقوياء لا يعتذرون
عندما كنت طفلا
علموني أن وعد الحر دين
وأنني إن وعدت يجب
أن أوفي بوعدي مهما كانت النتيجة
-عندما كبرت-
إكتشفت أن أغلب الناس
لا يوفون بوعدهم حتى أقرب الناس إليك
وأن الوعود أصبحت مجرد كلام
لا يؤخذ بعين الإعتبار
عندما كنت طفلا
علموني أن الحق حق
وإن كان لي حق عند أحد
يجب أن لا أتخلى عنه
عندما كبرت
إكتشفت أن الحق إنقلب إلى باطل
وأن أغلبنا ينسى حقه بكل سهولة وببساطة
عندما كنت طفلا
علموني أن لا أتكلم إلا بالمفيد
وان أستمع لكل كلمة تقال
حتى أستفيد من تجارب الآخرين وأتعلم منهم
عندما كبرت
إكتشفت أن أكثرهم يتكلمون
بما لا يفهمون وما لا يعلمون
وأنهم يستمعون فقط
للكلام المطابق لكلامهم
عندما كبرت 

إكتشفت أن كل ما تعلمته
غير مطابق لما يحدث أمامي
في هذا العالم
في الماضي
.. كان الإقتراب من هاتف المنزل محظوراً وممنوعاً
... إلا على الرجال
وإذا رنّ الهاتف تتعالى أصواتهم بالأمر
!من بعيد مَحَّدْش يرُدْ
فهذا الجهاز الساحر
إرتبط بمفهوم الأخلاق والعيب والحياء
وكان إقتراب البنات منه عيبٌ ونقيصة
بمثل خروجهن في الشارع دون غطاء رأس
لذلك لا أحد يرد غير الكبار
في الماضي

 كان أقصى ما يمكن
أن يُشاهده الصغار في التلفزيون
أفلام الكارتون وأفتح يا سمسم
!!والحكايات العالمية الساحرة
ومغامرات سندباد
!! أما فيلم السهرة
فحرام حرام أن نسهر عليه
فنحن صغار لابد أن ننام مبكرا لكي نستيقظ مبكراً
 في الماضي
كان الأب يُعدّ عملاقا كبيراً
!!فنظرة من عينيه تُخرسنا
وإن ضَحك فإنّ ضحكته تطلق أعياداً
في البيت وصوت خطواته القادمة
إلى الغرفة تكفي لأن نستيقظ من عميق السبات
  !!ونقوم لنصلي الفجر
في الماضي
كانت المدرسة
التي تبعد كيلوين من المترات
كأنها قريبة خطوات من بيتنا
لدرجة أننا نمشى إليها
كل صباح ونعود منها كل ظهيرة
ولم نحتاج إلى باصات مكيفة
ولم نخشَ على أنفسنا من خطف ولا عصابات 

في الماضي
لم تكن هناك خشية وتخويف
من جراثيم على عربات الباعة الجوالين
ولم نعرفها في أرضيات البيوت المكسوة بالبلاستيك
ولم نسمع عنها في إعلانات التلفزيون
ولم نحتج لسائل معقم
ندهن فيه أيدينا كل ساعتين
لكننا برغم ذلك لم نكن نمرض
في الماضي
كانت للأم سُلطة
وللمعلم سُلطة
وللمسطرة الخشبية الطويلة سُلطة

 نبلعُ ريقنا أمامها
وهي وإنْ كانت تؤلمنا
لكنها جعلتنا نحفظ جزء عم
وجدول الضرب وأصول القراءة
وكتابة الخط العربي
ونحن لم نتعد التاسعة من العمر بعد!
في الماضي
كانت شوارع الحي بعد العاشرة مساء
تقفر تماما وتصبح فارغة
وكانت النساء يمكثن في بيوتهن
ولا يخرجن أبداً في المساء
وكان الرجال لا يعرفون مكانا
يفتح أبوابه ليلاً سوى
!!المُستشفى والمركز والمطار
في الماضي
لم تكن الحكومة تسمح
للمجلات والجرايد أن تنشر إعلانات
تكبير وتصغير العَوْرات
والمُنشطات الجنسية ومواد
تحويل السبلان الى غزلان 
 لأن الرجال كانوا فحولاً
...من دون منشطات
والنساء كنَّ غزلاناً
بعفتهن وطهارتهن
في الماضي
كان النقاب والحجاب غريباً
وكان الستر بالعباءات السوداء المرسلة

 على القوام وكان الستر في الوجوه الطيبة
الباسمة وكانت أبواب البيوت
مُشرعة للجيران وكانت صواني الذواقة
تدور كل ظهيرة بين الدور وفي الدرابين والحوارى
في الماضي
لم يَكن الأب مُتعلماً ولا الأم مُثقفة
وكان الصغار ينجحون من دون مدرسين خصوصي
ويفهمون المناهج من دون دروس خصوصية
ويُسجلون النتائج الكبيرة في المدارس الحكومية
ولم تكن هناك حاجة إلى مدارس خاصة
تدرس فساد الاخلاق بالعربي والغربي
في الماضي
كان للحياة عطر وأريج
وكانت الحياة إجتماعية أكثر طيّبة أكثر
... طعمها طيّب مليئة بالفرح أكثر
 في الماضي
كان هناك خجلٌ وحياء
كانت بنتُ الجيران هي عَرضي وأختي
أغارُ عليها مثلما أغار على شقيقتي
كان هناك في الشارع ذوق وأدب وأخلاق
  ما أجمل قلوب ونفوس تلك الأيام
.. ياليتها تعود 

((إيميل جانى))

Sunday, March 3, 2013

...طه حسين:فقرة فى مقالة...


وليس كمثله من يستطيع صياغة حروف تليق بمقام زيارة للكعبة وقبر محمد صلي اللـه عليه وسلم, لقد عبر طه حسين عن مشاعره حين حل بالأراضي المقدسة فيقول في أول ابريل1955: أول ما شعرت به ومازلت أشعر به إلي الآن هو الذي يجده الغريب حين يؤوب بعد غيبة طويلة جدا إلي موطن عقله وقلبه وروحه.. ويقول لمرافقه الشيخ أمين الخولي وهما يغادران جدة قاصدين البيت الحرام بمكة المكرمة أن يوقف الركب عند الحديبية, وعندها ترجل طه قبض من تراب الحديبية قبضة فشمها ثم تمتم ودموعه تنساب قائلا: وإني لأشم رائحة النبي محمد صلوات اللـه عليه في هذا التراب الطاهر, وتوجها إلي الكعبة فاستلم الحجر وقبله باكيا, وظل يقبله ويبكي حتي وقفت مواكب الحجيج انتظارا لأن يغادر الأديب الكبير المكفوف مكانه, ولكنه أطال البكاء والتنهيد والتقبيل, ونسي نفسه فتركوه مكانه, وأجهشوا معه في البكاء, واستمر يطوف ويسعي في خشوع ضارع وبكاء خفي حتي أتم عمرته, وقد أخذ منه الإرهاق النفسي أكثر من البدني كل مأخذ.. ويفضي بعدها طه للشاعر كامل الشناوي عن تلك اللحظات الروحية قائلا: لقد سبق أن عشت بفكري وقلبي في هذه الأماكن المقدسة زهاء عشرين عاما, منذ بدأت أكتب عن( هامش السيرة).. عشت بعقلي الباطن وعقلي الواعي, استعدت كل ذكرياتي القديمة, ومنها ما هو من صميم التاريخ, ومنها ما هو من صميم العقيدة, وكانت الذكريات تختلط بواقعي فتبدو حقائق أحيانا, ورموزا حينا.. كنت دائما في كامل وعيي, وقد أخذتني الرهبة والخشية والخشوع كل مأخذ عندما كنت وحدي, وقد كنت في تلك المرة الواحدة مع الناس ومع نفسي في وقت واحد, وقد حاولت جهدي أن أتخلص من المطوفين, ولكن محاولاتي ذهبت هباء ووجدتني بين أيديهم أردد بلا وعي ما يقولونه, ووجدتني في الوقت نفسه وحدي وإن كنت في صحبتهم.. كنت شخصية واعية بلا كـلام, وشخصية متكلمة بلا وعي.. كانت الشخصية الناطقة بلا وعي تردد كـلام المطوفين, والشخصية الواعية بلا كـلام تناجي ربها في صدق وصمت وخشوع.. قلت له سبحانه: اللهم لك الحمد. أنت نور السماوات والأرض, ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض, ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن, أنت الحق, ووعدك الحق, والجنة حق والنار حق والنبيون حق والساعة حق.. اللهم لك أسلمت, وبك آمنت وعليك توكلت, وإليك أنبت, وبك خاصمت, وإليك حاكمت.. فاغفرلي ما قدمت وأخرت, وما أسررت وأعلنت, أنت إلهي, لا إله إلا أنت.. وهذا الدعاء أحفظه منذ زمن بعيد, وهو من أصح ما روي من الحديث عن النبي صلي اللـه عليه وسلم ودائما أناجي ربي به.. ويسأله كامل الشناوي فيما إذا كان قد خاطب بهذا الدعاء ربه علنا؟ أجاب العميد: أنا إذا ما خاطبت ربي ناجيته, وإن كنت قد أذعته علنا عام1951 في فلورنسا باللغة الفرنسية في مؤتمر الحضارة المسيحية, وما أن انتهيت من إلقائه حتي دوت قاعة المؤتمر بتصفيق شديد, وجاءتني سيدة مسيحية تقول لي وهي تبكي:( هذه دموعي أذرفها بين يديك من فرط إعجابي بالإسلام الذي أحبه كثيرا.. فقلت لها: لا داعي للدموع فإعجابك يكفي).. وتروي سوزان طه حسين في مذكراتها معك قائلة لزوجها: أفكر بهذا التوافق الخفي الذي وحدنا دوما في احترام كل منا لدين الآخر. لقد دهش البعض من ذلك, في حين فهم البعض الآخر أن بوسعي أن أردد صلاتي علي حين تستمع أنت إلي القرآن الكريم في الغرفة المجاورة, واليوم بعد وفاتك أفتح الراديو لأستمع إلي الآيات القرآنية ليتخلل القرآن أعماق نفسي.. لقد كنت غالبا ما تحدثني عن القرآن, وتردد لي البسملة التي تحبها بوجه خاص وتبدأ بها أي عمل تقوم به.. كنت تردد في كثير من الأحيان أننا لا نكذب علي اللـه وويل للمكذبين..
في كتابه الأيام الذي كان أقرب إلي الشعر منه إلي النثر, فهو تاريخ شعري عاطفي لطه حسين قدم فيه صورة رسمها لأبيه والد الثلاثة عشر من البنات والبنين, عرفنا فيه الأب الشيخ المعمر حسين علي سلامة الذي عاش إلي ما بعد المائة والذي كان يرفق به دون أن يخلو هذا الرفق من شيء من الازدراء له إذ كان لا يحسن التصرف كالآخرين, وقد هدته طبيعته التقية العملية إلي الانتفاع بصبيه الضرير, فكان يطلب إليه أن يقرأ عنه عدية ياسين توسلا بها إلي اللـه لأنه صبي وكفيف, وهو بهاتين الميزتين أثير عند اللـه رفيع المكانة أكثر منه ولا يرضي اللـه أن يرد صبيا كفيفا حين يطلب إليه أمرا من الأمور متوسـلا بقراءة القرآن.. ذلك الأب زاره طه الابن حامل الدكتوراه من باريس مصطحبا زوجته وابنته ليظل ذلك اللقاء الأسري في عام1920 محفورا علي جدران ذاكرة سوزان لتقول عنه: تعرفت علي حموي, وكانا يعيشان في كوم أمبو قريبا من أسوان, وقد استقبلاني بحرارة, وبعد تبادل التحيات التقليدية قال عمي لابنه طه:( سأخرج مع زوجتك, فلا تنشغل بنا) وتناول الحاج ذراعي, وقمنا معا بجولة في البلدة, وربما يبدو الأمر خارقا لشباب اليوم أن يتنزه شيخ وقور معمم معلق في ذراعه امرأة شابة سافرة, أجنبية ومسيحية ترتدي القبعة! لكنه كان أمرا بسيطا ومقبولا في الصعيد في تلك الحقبة.. ولم أنس تلك اللفتة علي الإطلاق عندما يتحدثون عن التعصب الإسلامي فلا أملك نفسي عن الابتسام أو الغضب.. ذلك الرجل صاحب الدخل البسيط لكنه يعمل جاهدا ليتيح للأسرة حياة كريمة, والذي كان يحب القراءة والحوار مع وجهاء القوم, وكان يتميز بميزة طبيعية فقد كانت عيناه الزرقاوان تتألقان بدهاء محبب, ولم أدهش للاحترام الذي كان يلقاه أينما نسير في القرية, أما حماتي فقد انشغلت تماما كما يقول المصريون لشوشتها لتأمين راحتي أنا وحفيدتها.. وكانت الحوالة المالية التي أرسلها والد طه هي التي سمحت لنا بشراء عربة للصغيرة.. وكان طه يحدثني عن أبويه بحنان, وعرفت منه أن أمه تكسر أربعين بيضة لصنع قرص العجة للعائلة, وأن أهله في العيد الكبير ــ عيد الأضحي ــ يشترون عجلا وخروفا: الخروف للبيت, والعجل لتوزيعه علي الفقراء. وهل كان بوسعي أن أتخيل أن حماتي ــ وهي المسلمة المتدينة ــ يمكن أن تسأل طه عن أي نوع من زجاجات الشراب يجب شراؤه من أجلي, وقد سعدت حماتي كثيرا عندما أجبت بأنني لا أشرب غير الماء علي الإطلاق.. وبعد عودتنا للقاهرة بفترة قصيرة, تلقيت آلة خياطة سنجر, وكان ذلك في الريف البعيد يعد أجمل هدية يمكن أن تقدم للعروس.. كما تلقيت أيضا سجادتين عجميتين, أخذتا بلا شك من سجاد البيت, إحداهما صغيرة مربعة تقريبا كانت تروق لي كثيرا, والأخري أكبر منها بقليل
ويسألون طه كيف كتب60 كتابا لم يقرأها وإن كان قد أملاها كلمة كلمة, ومنها الأيام, وأبوالعلاء وثلاثيته حديث الأربعاء ومع المتنبي, وفي الشعر الجاهلي ــ الذي تحول إلي في الأدب الجاهلي من بعد العاصفة التي قوبل بها واضطر إلي حذف بعض من محتواه ــ والوعد الحق وعلي هامش السيرة وظهور الإسلام وشجرة البؤس وأحلام شهر زاد وأديب ورحلة الربيع ومستقبل الثقافة في مصر ودعاء الكروان والحب الضائع الذي استوحت منه السينما ثلاثة أفلام.. الخ.. قال العميد اللقب الذي أطلقه عليه الصاوي أحمد الصاوي عندما أراد أن ينشر مقالا لطه بعد أن فصلته الدولة من عمادة كلية الآداب فبدلا من أن يغير شيئأ رأي ببساطة أن يشطب كلمة كلية ليصبح عميد الآداب التي أصبحت مع الوقت عميد الأدب العربي
أنا لا أكتب وإنما أملي, فإذا أمليت في بيتي مشيت وأنا أملي, أما إذا أمليت في الصحيفة, فإنني أجلس إلي مكتبي ساكنا بغير حراك كأنني تمثال, ولابد لي من السيجارة في كلتا الحالتين.. وإني لأكره أن يقاطعني أحد, ولست أحب لسكرتيري أن يكون بطيئا عندما أملي عليه, وأفضل استخدامه طريقة الاختزال.. وليس من عادتي أن أفكر فيما أريد أن أكتب قبل البدء في الكتابة مباشرة, ولكنني عندما أملي لا أفكر في شيء علي الإطلاق سوي الموضوع الذي يعنيني, وإني لأكره أشد الكره أن أعود إلي قراءة ما أمليت, فأنا أشعر عندما أنتهي من كتابة مقال أو كتاب بأنني تخلصت من عبء يشق علي أن أتحمله مرة أخري.. وأنا أكتب في معظم الأحيان لأن لدي شيئا أرغب في قوله, وفي هذه الحالة لا يمكن لشيء أو شخص أن يمنعني, ويحدث في بعض الأحيان أن أكتب لأن هناك من يطلب مني أن أقول شيئا ما, وعندئذ لا أدري كيف أكافئ من يعفيني من هذا العذاب, والناس لا يعرفون حين يطلبون منك المقال أو الحديث أو المقدمة رفقا ولا لينا.. فهم يطلبون ويطلبون.. ويلحون ويلحون.. فإذا أعياهم أن يبلغوا منك ما أرادوا توسلوا إليك بمن تحب, وتشفعوا إليك بمن لا تملك لشفاعته ردا حتي يبغضوا إليك الكتابة ويكرهوا إليك الأدب

!!ويوشكوا أن يزهدوك في الحياة ويشبه قاهر الظلام نفوس الشباب المصريين بالعفريت الذي حبسه نبي اللـه سليمان في قمقم مطبق من النحاس, وختم عليه بخاتمه وأمر به فألقي في أعماق البحر كما تحدثنا ألف ليلة وليلة.. وأجسام الشباب المصريين هي هذه القمائم المطبقة المختومة بالتعاويذ إلا أنها ليست من نحاس وإنما من لحم ودم.. والفرق بين هذه النفوس السجينة في قمائمها وبين ذلك العفريت, هو أن العفريت وجد الصياد الذي استخرج قمقمه من أعماق البحر, وفض عنه خاتمه, ورفع عنه غطاءه, وأتاح للعفريت أن يغدو ماردا جبارا في الهواء الطلق.. أما شبابنا المصري فلم يجد هذا الصياد الذي يخرجه من قمائمه, ويرد إليه الحرية, ويخلي بينه وبين الهواء والنور والجمال, تستمتع به وتتمتع به الأجيال.. وإلي أن يوجد هذا الصياد فالوقوف إلي جانب البحر لن ينقل إلينا سوي أنين القماقم وصخب الأمواج!!. وقد كان النحات محمود مختار ـ في نظر طه حسين ــ أحد الشباب المصريين الذي خرج من القمقم كأول المجددين: خلال قرون طويلة نسيت فيها مصر أنها كانت مهد الفنون التشكيلية. فلما جاء مختار تنبهت مصر فجأة إلي تراثها بالأمس ومثلها الأعلي في الغد.. وكان مختار هو بطلها.. فبينما كان البعض يصنع الثورة السياسية والبعض الآخر يصنع الثورة الأدبية, كان مختار يحدث ثورة خاصة به, ولم يكن عبثا أن سمي النصب الذي نحته نهضة مصر فهذا الرمز هو في المقام الأول رمز اليقظة الفنية والفكرية والأدبية, وهو تحية موجهة إلي فجر النهضة.. وقد كان مختار كشفا جديدا وظاهرة فذة ولذلك أجمعنا علي تسميته النابغة وكان تجديده خطرا ومع ذلك فلم يجد استنكارا من أحد, بل إن الأزهر نفسه وقف منه موقف الإعجاب والتشجيع وكان تجديده طريقة جديدة في مناصرة الاستقلال, وليعلم الشباب اليوم أننا ندين بحرية الفن وانطلاقته إلي مختار النابغة الذي لم ينتظر صيادا ليفتح قمقمه وإنما حرارة جذوة الفن بداخله كانت قوة دافعة لترفعه من الأعماق للسطح لينضو عنه صدفته ويخرج حرا تحت ضوء الشمس يصنع أثره الخالد.. تمثال نهضة مصر!
وتؤثر الرجعية الفكرية علي موقف طه السياسي فيرفض التعاون مع حكومة صدقي باشا التي أغلقت معهد التمثيل والرقص التوقيعي بحجة أنه يمس الآداب العامة, وحاربت الاختلاط بين الشباب والفتيات في الجامعة حربا قاسية شعواء, وأثارت العديد من المعارك والحروب ضد حرية الفكر, وكان أن قررت الحكومة من جانبها محاربة طه حسين ذات نفسه لتطلق عليه قططها الفاطسة فعزلته من منصبه كعميد لكلية الآداب, وعينته مفتشا متجولا للغة العربية في وزارة المعارف, وتقدم بعض النواب إلي وزير المعارف باستجواب يفتح من جديد قضية كتاب الشعر الجاهلي, وكان من بين الاتهامات الرئيسية أنه ظهر في صورة نشرت في جريدة الأهرام تمثل طلبة كلية الآداب حول عميدهم ـ الدكتور طه حسين ـ وقد جلست كل شابة إلي جانب شاب.. وفي اليوم الأول لنقل العميد من الجامعة أضرب الطلبة تحت قيادة الطلاب الوفديين.. وخرجوا في مظاهرة ضخمة إلي بيت طه حسين ليحملوه علي الأعناق هاتفين بحياته وحياة الفكر الحر المضطهد!.. ومن يومها استقل طه حسين عن الدعوة إلي الجديد في الفكر إلي دعوة أخري هي... التجديد في المجتمع نفسه.. مطالبا بالعودة إلي التاريخ الإسلامي لنستمد منه البراهين المختلفة علي أن الإسلام كان ثورة اجتماعية ضد الظلم المادي, وليثبت في العديد من كتبه مثل الوعد الحق أن الدعوة إلي العدل أساس من أسس الإسلام, ويرفع في العديد من كتبه مثل مستقبل الثقافة في مصر شعاره العلم حق للجميع كالماء والهواء..
وتدخل قصة سوزان وطه التاريخ العاطفي كجميل وبثينة, وقيس وليلي, ويكتب طه حسين لنصفه الآخر: أنت تمنحيني كل شيء كل شيء, كل شيء بدون استثناء, لقد رحلت فلحق بك ذكائي, كل قلبي, كل نفسي, أو لم تحملي كل ذلك معك!!؟

وبعد عدة أيام من رحيلها يصطدم بالدولاب ليراسلها بقوله: ضيعت وقتك وأنت تشرحين لي تنظيم أدراجك.. وكنت أصغي إليك بأذن شاردة, وتركت لك يدي دون أن أشعر علي وجه اليقين ما كنت تجعلينني أمسه, فقد كانت المناشف والبشاكير والمناديل دوما سرا في نظري, وأمس كنت أريد منشفة, فأرسل الباب شيئا من الأنين بحيث يحسب المرء أن المنشفة كانت تصرخ بي: لا تمسني.. يا من لا تراني.. ولا تدرك لوني.. دعني

!!إلي أن تعود إليك عيونك المسافرة

Tuesday, February 26, 2013

.....إنســــان أعرفــــــه....

12 comments
 
حافظ على صحته
لم يــــــــــدخن أبدا
لم يـــــــــــــــــــــأكل كثيرا
مارس رياضة المشى وصيد السمك
تابع الفحوصات الدورية
راقب دقات قلبه وطعامه وشربه
قاطع مبـــــــــــاريات الكرة
والدهون والـــــــحلويات
حافظ على حضور الندوات الثقافية
عشق حل الكلمات المتقاطعة
اشتغل كــــثيراً وربح أكثر
علمّ اولاده أحسن تعليم
وأسكنهم فى بيوتهم الخاصة
أطمئن على حــــــسابه البنكى
وقرر التقاعد ليستمتع بجهده وحياته
ولكنه لم يحسب حساب المجهول
اصابه مرض العصر
الزهايمر
وصار يجلس كالطفل الصغير
ينتظر مـــــن يطعمه ويشربه
لا يتكلم ولا يشترك فى حديث
وإن بدات انت الـــــــحديث
لا يــــــــرد عــــــليك
الأ آهــــ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وأهــ من الأيام وما تخبئه لنا